السيد محمد هادي الميلاني
50
قادتنا كيف نعرفهم ؟
قال ابن أبي الحديد : " وأمّا الحلم والصفح فكان أحلم الناس عن مذنب وأصفحهم عن مسيء ، وقد ظهرت صحة ما قلناه يوم الجمل حيث ظفر بمروان بن الحكم وكان أعدى النّاس له وأشدّهم بغضاً فصفح عنه وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤس الأشهاد ، وخطب يوم البصرة فقال : قد أتاكم الوغد اللّئيم عليّ ابن أبي طالب . وكان علي عليه السلام يقول : ما زال الزّبير رجلا منّا أهل البيت حتى شب عبد الله ، فظفر به يوم الجمل ، فأخذه أسيراً فصفح عنه وقال : اذهب فلا أرينك ، لم يزده على ذلك ، وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكّة وكان له عدوّاً فأعرض عنه ولم يقل له شيئاً ، وقد علمتم ما كان من عائشة في أمره فلمّا ظفر بها أكرمها وبعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس عمّمهنّ بالعمائم وقلدهنّ بالسيوف ، فلما كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به وتأفّفت وقالت : هتك ستري برجاله وجنده الّذين وكّلهم بي ، فلما وصلت المدينة ألقى النساء عمائمهنّ وقلن لها : إنّما نحن نسوة . وحاربه أهل البصرة وضربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيف وسبوه ولعنوه فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم ونادى مناديه في أقطار العسكر : ألا لا يتّبع مولِّ ولا يجهز على جريح ولا يقتل مستأسر ، ومن القى سلاحه فهو آمن ، من تحيّز إلى عسكر الإمام فهو آمن ، ولم يأخذ أثقالهم ولا سبى ذراريهم ولا غنم شيئاً من أموالهم ولو شاء أن يفعل كلّ ذلك لفعل ، ولكنه أبى إلاَّ الصفح والعفو وتقيّل سنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم فتح مكة